مبادئ وأحكام القضاء الاداري

مبادئ وأحكام القضاء الاداري

 

 

   إِنَّ الحياة الدنيا مبنية على الحركة ولو لا هذه الحركة لما كان للدنيا مِنْ وجود، ولا تَتَوَقّف الحركة على جانب معيّن بل تَعمُ كل مناحيها، ولذا تشمل بأحكامها النظر في المنازعات وحسمها، وقد طال التطوّر هذا الجانب أيضا، فبعد أنْ كانتْ الولاية العامّة على أنواع الدعاوى جميعا منعقد للقضاء الاعتيادي وهو قضاء غير متخصّص، جاء الدور للكف عَن الأخذ بهذا المنهج واتباع طريق غالب العلوم لا سيَّما الطبيعية مِنْها والتي بُنيتْ على كُلٌّ مِنْها على أخذ جانب مِنْ جوانب العلم الخاصّ بها وتقسيمه إلى تخصّصات عدّة ولهذا المنهج منافع جَمَّة أقلّها سبر أغوارها والتعمّق في جوانبها والتوسّع في تفاصيلها ممّا يُثري الحياة البشرية ويعمل على تسهيلها وتيسير شؤونها، ولم يكن القضاء بمعزل عَنْ هذا المنهج الإنساني بل والرباني أيضا، فبعد أنْ بدأ بجعل السلطة القضائية مِنْ مختصات الحاكم قام بعزله عَنْها وجعلها سلطة قائمة بنفسها ومنحها الحصانة وأفاض عليها كل ما مِنْ شأنه المساعدة على استقلالها في عملها وعدم تأثّرها بغيرها لتكون سلطة محايدة وموضوعية خصوصا وهي مسلّطة على دماء الناس وحرياتهم وأعراضهم وأموالهم، ولم يقف الأمر عِنْدَ حدّ استقلال القضاء ورجاله، بل وصل إليه التطوّر التخصصي ومِنْ هنا أخذ الفقه والقضاء بتقسيم المنازعات إلى قسمين رئيسين، قسم ذو طبيعة إدارية وآخر لا يتجاوز الطبيعية الاعتيادية لها، وهذا أدّى إلى إيجاد نظامين قضائيين وهما نظام القضاء الموحّد والذي استمرّ إلى اليوم بالتزام المنهج القديم مِنْ عدم تخصّص القضاء وجعل الولاية العامّة للقضاء الاعتيادي وهو النظام الأنگلوسكسوني، أمّا النظام الثاني فقد تبنّى النظام القضائي المزدوج مواكبة مِنْهُ لتطور الحضارة الإنسانية واستحداث التخصّص في القضاء، فمنح الولاية للقضاء الإداري في المنازعات ذات الطبيعةالإدارية،أمّاذاتالطبيعيةالاعتياديةفقدابقىالولايةفيهاللقضاءالاعتيادي،وسنلاحظأَنَّفرنساهيالبلدالأمّلهذاالتحوّلالكبيرفيمجالالقضاءوتابعتهادولكثيرةبللايبعدالقولأَنَّأغلبدولالعالماليومتتّبعنظامالقضاءالمزدوج،ومِنْهذهالدولبلدناالعزيز،ولأهميةالقضاءالإداريلِكُلّمِن الأفرادالمتنازعينمَعَالإدارةوللذينيرومونالاختصاصفيمجالالقانونوممارسةمهنةالمحاماةأوالعملفيالدوائرالقانونيةللمؤسساتالمختلفةاقتضىأَنَّيكونالقضاءالإداريأحدمناهجدراسةالقانون،ولازديادالوعيالشعبيوالعاملينفيالمجالات المختلفة بحقوقهم ومعرفة أَنَّ طريق الدفاع عَنْها هو القضاء الإداري أخذتْ أهميته بالاتّساع ولذا نهيب بطلبتنا الأعزاء الاعتناء بهذه المادة وبذل المزيد مِن الجهد في دراستها لفهمها والاطلاع على أحكامها وقواعدها العامّة لأّنَّها ستكون رافدا مهما لهم في حياتهم العملية، وقد التزمنا في هذا المؤَلّف بأسلوب المنهج الدراسي مِنْ دون الخوض في الاختلافات الفقهية إذ إنَّ طالب الدراسات الأولية في غنى عَنْها، ومَعَ ذلك لم نغادر الآراء الحديثة وكل ما جاءتْ به القوانين مِنْ تعديلات في تنظيمها له لا سيَّما قوانين بلدنا الكريم.

ومِنْ أجل أنْ تَعمّ الفائدة ولا يغيب عَنْ طالب الدراسات القانونية الأحكام والقواعد والمبادئ الرئيسة للقضاء الإداري قمنا بتقسيم الكتاب إلى أربعة أبواب، خصصنا الباب الأول لدراسة مبدأ المشروعيّة، وبحثنا في الباب الثاني الرقابة على

أعمال الإدارة، وتناولنا في الثالث تنظيم القضاء الإداري، أمّا الباب الرابع والأخير فقد قصرناه على ولاية القضاء الإداري.

cron