اختصاص البرلمان في المساءلة الجزائية

اختصاص البرلمان في المساءلة الجزائية

 

 

إنَّ مبدأ الفصل بين السلطات جاء ليحلّ محلّ مبدأ تركيز السلطات، والذي يسمح بجمع سلطات الدولة بيد فرد أو هيئة، ممّا أدى في الواقع إلى الاستبداد المُنتِج لإساءة استعمال السلطة التي تدفع باتجاه المساس أو النيل من حقوق الأفراد وحرياتهم، ذلك أنَّ النفس البشرية تجنح بطبيعتها إلى الاستبداد والتسخير إذا ما استأثرت بالسلطة، وهي تنزع بطبيعتها إلى الطغيان "كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى"يقول مونتسكيو "ليست الديمقراطية والأرستقراطية من الدول الحرة بطبيعتها مطلقا، فالحرية السياسية لا توجد في غير الحكومات المعتدلة، ولكن الحرية لا تكون في الدول المعتدلة دائما، وهي لا تكون فيها إلّا عند عدم سوء استعمال السلطة، بيد أن التجارب الأزلية (أثبتت) أنَّ كل إنسان ذي سلطان يميل إلى إساءة استعماله، وهو يسترسل في ذلك حتى يلاقي حدودا، حتى أنَّ الحرية تحتاج إلى حدود، ولا بد من أن توقف السلطةُ لكيلا يُساء استعمال السلطان" ويقول اللورد أكتون (Lord Action) واصفا السلطة، إنَّ "كل سلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة"،والأصل لكل هذه المفاسد هو الفساد القانوني، أي تجاوز القانون ومخالفة قواعده.

ومفسدة الحكّام لا تنحصر في الجانب المالي والإداري فحسب، بل يمكن أن تظهر في جانب غاية في الخطورة، وهو الجانب الجزائي، ولكون الحكّام في الأنظمة الديمقراطية يصلون إلى سدّة الحكم بموافقة الشعب، فينبغي أنَّ لا يُسائلهم جزائيا إلّا جهات تُمثّل الشعب، لا سيَّما وأنَّ العزل عن المنصب هو أبرز العقوبات التي تترتّب على الإدانة، ولذا نجد الدساتير عموما تمنح البرلمان هذا الاختصاص.




cron